حبيب الله الهاشمي الخوئي

54

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم النّاس وهابوهم وكان أوّل من صانعهم عمّا لك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثمّ فعل ذلك ذو والقدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطنتك وأنت غافل ، فان جاء متظلَّم حيل بينه وبين دخول دارك ، وإن أراد رفع قصة إليك عند ظهورك وجدك وقد نهيت عن ذلك ، ووقفت للنّاس رجلا ينظر في مظالمهم ، فان جاءك المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم أن لا يرفع إليك قصّته ، ولا يكشف لك حاله ، فيجيبهم خوفا منك ، فلا يزال المظلوم يختلف نحوه ، ويلوذ به ، ويستغيث إليه وهو يدفعه ، ويعتلّ عليه ، وإذا اجهد واحرج وظهرت أنت لبعض شأنك صرخ بين يديك ، فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ، فما بقاء الاسلام على هذا . فقد كنت أيام شبيبتي أسافر إلى الصّين ، فقدمتها مرّة وقد أصيب ملكها بسمعه ، فبكى بكاء شديدا ، فحداه جلساؤه على الصبر ، فقال : أما أني لست أبكي على البلية النازلة ، ولكن أبي للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ، ثمّ قال : أما إذ ذهب سمعي فانّ بصري لم يذهب ، نادوا في النّاس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلَّا مظلوم ، ثمّ كان يركب الفيل طرفي نهاره ينظر هل يرى مظلوما . فهذا مشرك باللَّه غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه ، وأنت مؤمن باللَّه من أهل بيت نبيّه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك ، فان كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عبرا في الطَّفل يسقط من بطن امّه ما له على الأرض مال ، وما من مال يومئذ إلَّا ودونه يد شحيحة تحويه ، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتّى تعظم رغبة النّاس إليه ، لست بالَّذي تعطي ، ولكنّ الله يعطي من يشاء ما يشاء . وإذ قلت : إنّما أجمع المال لتشييد السلطان ، فقد أراك الله عبرا في بني اميّة ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذّهب والفضة وأعدّوا من الرّجال والسّلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد .